الغزالي

109

إحياء علوم الدين

فلا يخلو أيضا عن الخطر وعن ضيق الصدر ، فإذا ما دون الأربعة لا يفي بالمقصود ، وما فوق الأربعة يزيد ، فلا تجمعهم رابطة واحدة ، فلا ينعقد بينهم الترافق ، لأن الخامس زيادة بعد الحاجة ، ومن يستغنى عنه لا تنصرف الهمة إليه فلا تتم المرافقة معه ، نعم في كثرة الرفقاء فائدة للأمن من المخاوف ، ولكن الأربعة خير للرفاقة الخاصة لا للرفاقة العامة ، وكم من رفيق في الطريق عند كثرة الرفاق لا يكلم ، ولا يخالط إلى آخر الطريق للاستغناء عنه الثالث : أن يودع رفقاء الحضر والأهل والأصدقاء ، وليدع عند الوداع بدعاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، قال بعضهم صحبت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة حرسها الله ، فلما أردت أن أفارقه شيعني ، وقال سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] يقول « قال لقمان إنّ الله تعالى إذا استودع شيئا حفظه وإنّى أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك » وروى زيد بن أرقم عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] أنه قال « إذا أراد أحدكم سفرا فليودّع إخوانه فإنّ الله تعالى جاعل له في دعائهم البركة » وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] كان إذا ودع رجلا قال « زوّدك الله التّقوى وغفر ذنبك ووجّهك إلى الخير حيث توجّهت » فهذا دعاء المقيم للمودع ، وقال موسى بن وردان أتيت أبا هريرة رضي الله عنه أودعه لسفر أردته ، فقال ألا أعلمك يا ابن أخي شيئا علمنيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم عند الوداع ، فقلت بلى قال قل [ 4 ] « أستودعك الله الَّذي لا تضيع ودائعه » وعن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رجلا أتى النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 5 ] فقال إني أريد سفرا فأوصني فقال له « في حفظ الله وفي كنفه زوّدك الله التّقوى وغفر ذنبك ووجّهك للخير حيث كنت أو أينما كنت » شك فيه الراوي